الاثنين، 14 سبتمبر 2026

من درر العلامة ابن القيم عن الطب وحفظ الصحة// فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ // وموضوع أصناف الناس

من درر العلامة ابن القيم عن الطب وحفظ الصحة// فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ



بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد: فالطب وحفظ الصحة من المواضيع التي بحثها العلامة ابن القيم رحمه الله, في عدد من كتبه, وقد جمعت بعضًا مما ذكره أسأل الله أن ينفع بها الجميع.

[زاد المعاد في هدى خير العباد]

● أصول الطب ثلاثة:

الحمية, وحفظ الصحة, واستفرغ المادة المضره.

● الأدوية الروحانية لها تأثير في حصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية

ها هنا من الأدوية التي تشفى من الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم، من الأدوية القلبية، والروحانية، وقوة القلب، واعتماده على الله، والتوكل عليه، والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له، والصدقة، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء، ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا تجربته، ولا قياسه، وقد جربنا نحن، وغيرنا من هذا أموراً كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية،...ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء والتضرع والابتهال إلى الله والتوبة، ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية.

● ينتفع بطب النبوة من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفا به:

ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة, فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول, واعتقاد الشفا به, وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان, فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور – إن لم يتلق هذا التلقي – لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها, بل لا يزيد المنافقين إلا رجساً إلى رجسهم, ومرضاً إلى مرضهم.

● الشبع المفرط يضعف القوى والبدن:

في المسند وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما ملا آدمي وعاءً شراً من بطنٍ, بحسب ابن آدم لُقيمات يُقمن صلبه, فإن كان لابد فاعلاً فثُلُث لطعامه, وثلُثُ لِشرابه, وثُلُث لِنفسه )) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أنه يكفيه لُقيمات يُقمن صلبه, فلا تسقط قوته, ولا تضعف معها, فإن تجاوزها, فليأكل في ثلث بطنه, ويدع الثلث الآخر للماء, والثالث للنفس, وهذا من أنفع ما للبدن والقلب, فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب, فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس, وعرض له الكرب والتعب بحمله بمنزلة حامل الحمل الثقيل, هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد القلب, وكسل الجوارح عن الطاعات, وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع, فامتلاءُ البطن من الطعام مضر للقلب والبدن.

هذا إذا كان دائماً أو أكثرياً, وأما إذا كان في الأحيان فلا بأس به, فقد شرب أبو هريرة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن, حتى قال: والذي بعثك بالحق, لا أجد له مسلكاً, وأكل الصحابة بحضرته مراراً حتى شَبِعوا.

والشبع المفرط يُضعف القوى والبدن, وإن أخصبه, وإنما يَقوى البدنُ بحسب ما يقبلُ من الغذاء, لا بحسب كثرته.



● لا تعارض بين أحاديث الكي:

تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع:

أحدها: فعله والثاني: عدم محبته له والثالث: الثناء على من تركه والرابع: النهي عنه

ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى, فإن فعله يدل على الجواز, وعدم محبته له لا يدل على المنع منه, وأما الثناء على تاركه, فيدل على أن تركه أولى وأفضل, وأما النهى عنه, فعل سبيل الاختيار والكراهة, أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه, بل يفعله خوفاً من حدوث الداء. والله أعظم.

● المريض له مدد من الله يُغذيه به بحسب انكساره وانطراحه بين يدي ربه:

المريض له مدد من الله تعالى يُغذيه به زائداً على ما ذكره الأطباء من تغذيته بالدم, وهذا المدد بحسب ضعفه وانكساره وانطراحه بين يدي ربه عز وجل, فيحصل له من ذلك ما يُوجب له قرباً من ربه, فإن العبد أقربُ ما يكون من ربه إذا انكسر قلبُهُ, ورحمةُ ربه عند ئذٍ قريبة منه, فإن كان ولياً له, حصل له من الأغذية القلبية ما تقوى به قوى طبيعته, وتنتعش به قواه أعظم من قوتها, وانتعاشها بالأغذية البدنية, وكلما قوى إيمانه وحبه لربه, وأنسه به, وفرحُه به, وقوى يقينه بربه, واشتد شوقه إليه ورضاه به وعنه, ووجد في نفسه من هذه القوة ما لا يُعبرُ عنه, ولا يدركه وصف طبيب, ولا يناله علمه.

● علاجه صلى الله عليه وسلم للأمراض:

كان علاجه صلى الله عليه وسلم للمرض ثلاثة أنواع:

أحدها: بالأدوية الطبيعية.

والثاني: بالأدوية الإلهية.

والثالث: بالمركب من الأمرين.

● تفريج نفس المريض, وتطيب قلبه, له تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها:

تفريج نفس المريض, وتطيب قلبه, وإدخال ما يسُرُّه عليه, له تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها, فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك, فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي, وقد شاهد الناس كثيراً من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يُحبونه, ويعظمونه, ورؤيتهم لهم, ولُطفهم بهم, ومكالمتهم إياهم, وهذا أحد فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم, فإن فيها أربعة أنواع من الفوائد: نوع يرجع إلى المريض, ونوع يعود على العائد, ونوع يعود على أهل المريض, ونوع يعود على العامة.

والآيات, والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها.

● الطبيب الكامل الذي يداوي المريض بتفقد قلبه وصلاحه:

والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجهما, كان هو الطبيب الكامل, والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب, وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه, وتقوية روحه وقواه بالصدقة, وفعل الخير, والإحسان, والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب, بل متطبب قاصر.

● الصوم له تأثير عجيب في حفظ الصحة:

الصوم جنة من أدواء الروح والقلب والبدن, منافعه تفوت الإحصاء, وله تأثير عجيب في حفظ الصحة, وإذابة الفضلات, وحبس النفس عن تناول مؤذياتها, ولا سيما إذا كان باعتدال وقصد في أفضل أوقاته شرعاً, وحاجة البدن إليه طبعاً.

ثم إن فيه من إراحة القوى والأعضاء ما يحفظُ عليها قُواها, وفيه خاصية تقتضي إيثاره, وهي تفريحه للقلب عاجلاً وآجلاً.



● العبادات تحفظ الصحة, وتمنع كثير من الأمراض:

قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة, ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة, ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب, وفي الصوم الشرعي من أسباب حفظ الصحة ورياضة البدن والنفس,...

● من أعظم علاجات المرض:

ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء, والتضرع والابتهال إلى الله, والتوبة, ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل, وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية, ولكن بحسب استعداد النفس وقبولها وعقيدتها في ذلك ونفعه.

● الأدوية الإلهية تمنع وقوع الداء وتنفع بعد حصوله:

اعلم أن الأدوية الطبيعية الإلهية تنفعُ من الداء بعد حصوله, وتمنعُ من وقوعه, وإن وقع لم يقع وقوعاً مضراً, وإن كان مؤذياً, والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء, فالتعوذات والأذكارُ إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب, وإما أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التعوذ وقوته وضعفه.

● متى أمكن التداوي بالغذاء لا يُعدل عنه إلى الدواء:

اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء لا يُعدل عنه إلى الدواء, ومتى أمكن بالبسيط لا يعدلُ عنه إلى المركب.

وقالوا: ولا ينبغي للطبيب أن يولع بسقي الأدوية, فإن الدواء إذا لم يجد في البدن داءً يُحلِّله, أو وجد داءً لا يوافقه, أو وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه, أو كيفيته, تشبَّث بالصحة وعبث بها.

● أشياء تزيد في القوى, وأشياء توهنها:

القوى تتضاعف وتزيد بالطيب, كما تزيد بالغذاء والشراب, والدعة والسرور, ومعاشرة الأحبة, وحدوث الأمور المحبوبة. والثقلاء والبغضاء معاشرتهم توهن القوى, وتجلب الهم والغم, وهي للروح بمنزلة الحمى للبدن, وبمنزلة الرائحة الكريهة.

● الأدوية الإلهية هي الأدوية النافعة للسحر:

من أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية, بل هي أدويته النافعة بالذات, فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية, ودفعُ تأثيرها يكون بما يُعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات, والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها.

[الداء والدواء]

● لكل داء دواء

الحمد لله, ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء ))

وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لكل داء دواء, فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ))

وفي مسند الإمام أحمد من حديث أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله لم يُنزل داءً إلا أنزل له شفاءً, علِمَه من علِمَه, وجَهِله من جَهِله ))

وهذا يعمّ أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها.



● أسباب الانتفاع بالأذكار والآيات والأدعية

ولكن ههنا أمر ينبغي التفطن له, وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها, هي في نفسها نافعة شافية, ولكن تستدعى قبول المحل, وقوة همة الفاعل وتأثيره فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المنفعل أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء كما يكون ذلك في الأدوية والأدوية الحسية

فالقلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام, وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة أثّر ذلك في إزالة الداء.


كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

========================================


من درر العلامة ابن القيم عن أصناف الناس






فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ



بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد: فالناس أصناف, وقد بحث العلامة ابن القيم رحمه الله, هذا الموضوع في عدد من كتبه, وقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره, أسأل الله الكريم أن ينفع بها الجميع..

[مفتاح دار السعادة]

ناس بالصورة وشياطين بالحقيقة:

الموصوفون بقوله: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:22] هذا الضرب شرُّ البريَّة, يضيِّقون الديار, ويُغلُون الأسعار.

عند أنفسهم أنهم يعلمون ولكن ظاهراً من الحياة الدنيا وهو عن الآخرة هم غافلون

ويتعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم.

ويتكلمون ولكن بالجهل ينطقون.

ويؤمنون ولكن بالجبت والطاغوت يؤمنون.

ويعبدون ولكن يعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم.

ويجادِلون ولكن بالباطل ليدحضوا به الحق.

ويتفكرون ويبيتون ولكن ما لا يرضى من القول يبيتون.

ويدعون ولكن مع الله إلهاً آخر يدعون. ويذكرون ولكن إذا ذكروا لا يذكُرون.

ويصلون ولكنهم من المصلين الذين عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون

ويحكمون ولكن حكم الجاهلية يبغون.

ويكتبون ولكن يكتبون الكتاب بأيديهم, ثم يقولون: هذا من عند الله, ليشتروا به ثمناً قليلاً, فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون.

ويقولون: إنما نحن مصلحون ألا إنهم المفسدون ولكن لا يشعرون, وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس, قالوا: أنؤمن كما آمن السفهاء ؟! ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون......فهذا الضرب ناس بالصورة وشياطين بالحقيقة

الناس ثلاثة:

الأول: العالم الرباني

الثاني: المتعلم على سبيل النجاة.

الثالث: الهمج الرعاع

الهمج من الناس:

الهمج من الناس: حمقاهُم وجهلتهم....هؤلاء من أضرِّ الخلق على الأديان, فإنهم الأكثرون عدداً الأقلون عند الله قدراً, وهم حطب كل فتنة, بهم توقدُ ويُشبُّ ضِرامها, فإنها يعتزلها أولو الدين, ويتولاها الهمجُ الرعاع.

[طريق الهجرتين وباب السعادتين] 
  

الناس قسمان: عِلية, وسفلية:

 
 الناس قسمان: عِلية, وسفلة, فالعلية من عرف الطريق إلى ربه, وسلكها قاصداً للوصول إليه, وهذا هو الكريم على ربه, والسفلة من لم يعرف الطريق إلى ربه, ولم يتعرفها, فهذا هو اللئيم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ ﴾ [الحج:18]



[كتاب: الفروسية]

الناس ثلاثة:

الناس ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا شيء.

فالرجل من اجتمع له إصابة الرأي والشجاعة، فهذا الرجل الكامل.

ونصف الرجل: وهو من انفرد بأحد الوصفين دون الآخر.

والذي هو لا شيء: من عري من الوصفين جميعًا.



[الكلام على مسألة السماع]

الناس ثلاثة أقسام في عبودية الجوارح:

في كل جارحة من جوارح العبد عبودية تخصُّه, وطاعة مطلوبة منها, خُلقت لأجلها وهُيئت لها. والناس بعد ذلك ثلاثة أقسام:

أحدها: من استعمل تلك الجوارح فيما خُلقت له وأٌريد منها, فهذا هو الذي تأجر الله بأربح التجارة, وباع نفسه لله بأربح البيع.

الثاني: من استعملها في لم تُخلق له, ولم يُخلق لها, فهذا هو الذي خاب سعيه وخسرت تجارته, وفاته رضي ربه عنه وجزيلُ ثوابه, وحصل على سخطه وأليم عقابه.

الثالث: من عطل جوارحه وأماتها بالبطالة, فهذا أيضاً خاسر أعظم خسارة, فإن العبد خُلق للعبادة والطاعة لا للبطالة, وأبغض الخلق إلى الله البطال الذي لا في شغل الدنيا ولا في سعى الآخرة, فهذا كلّ على الدنيا والدين.

[الفوائد]

حال الناس في الدنيا:

الناس في الدنيا معذبون على قدر هممهم بها.

[اجتماع الجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية]

الناس قسمان: أهل الهدى والبصائر، وأهل الجهل والظلم:

الناس قسمان:

أهل الهدى والبصائر الذين عرَفوا أن الحق فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله، وأن كل ما عارَضه فشُبهات يُشتبه على مَن قلَّ نصيبُه من العقل والسمع أمرها، فيظنها شيئًا له حاصل ينتفع به وهي: ﴿ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ [النور: 39، 40].وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق، أصحاب العلم النافع والعمل الصالح الذين صدَّقوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أخباره ولم يعارضوها بالشبهات، وأطاعوه في أوامره، ولم يضيعوها بالشهوات، فلا هم في علمهم من أهل الخوض الخراصين الذين هم في غمرة ساهون، ولا هم في عملهم من المستمتعين بخلاقهم الذين حبطتْ أعمالُهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون.

أضاء لهم نور الوحي المبين، فرأوا في نوره أهل الظلمات في ظلمات آرائهم يعمهون، وفي ضلالتهم يتهوَّكون، وفي ريبهم يترددون، مغترين بظاهر السراب، ممحلين مجدبين مما بعث الله تعالى به رسوله من الحكمة وفصل الخطاب.

القسم الثاني: أهل الجهل والظلم الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به، والظلم باتباع أهوائهم، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ [النجم: 23]، وهؤلاء قسمان:

أحدهما: الذين يَحسبون أنهم على علم وهدى، وهم أهل جهل وضلال، فهؤلاء أهل الجهل المركب الذين يجهلون الحق ويعادونه ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالونه ويوالون أهله، وهم يحسبون أنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون، فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فهكذا هؤلاء أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب الذي يخون صاحبه أحوج ما هم إليه ... وصارت تلك الشبهات الباطلة التي كان يظنها علومًا نافعة كذلك هباءً منثورًا، فصارت أعماله وعلومه حسرات عليه.

القسم الثاني من هذا الصنف: أصحاب الظلمات، وهم المنغمسون في الجهل بحيث قد أحاط بهم من كل وجهٍ، فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضل سبيلًا، فهؤلاء أعمالهم التي عملوها على غير بصيرة، بل بمجرد التقليد واتباع الآباء من غير نور من الله.

﴿ كَظُلُماتٍ ﴾ جمع ظُلمة، وهي ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة الظلم واتباع الهوى، وظلمة الشك والريب، وظلمة الإعراض عن الحق الذي بعث الله تعالى به رسله صلوات الله وسلامه عليهم، والنور الذي أنزله معهم ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فإن المعرض عما بعث الله تعالى به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق يتقلب في خمس ظلمات: قوله ظُلمة، وعمله ظُلمة، ومدخله ظُلمه ومصيره إلى الظُّلمة، فقلبه مظلم ووجهه مظلم، وكلامه مظلم، وحاله مظلم.



[التبيان في أيمان القرآن]

أكثر الناس في غفلة عن المراد من إيجادهم:

أكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور، ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها، ولا أين يرحلون وأين يستقرون، قد... شملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني التي هي كالسراب، وخدعهم طول الأمل، فكأن المقيم لا يرحل، وكأن أحدهم لا يُبعَث ولا يُسأل، وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه، والفوز بجزيل ثوابه.

يسعون لما لا يدركون، ويتركون ما هم به مطالبون، ويعمرون ما هم عنه منتقلون، ويخربون ما هم إليه صائرون.

والعجب كل العجب من غفلة من تُعد لحظاته، وتُحصى عليه أنفاسه، ومطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يُحمل، ولا أي منزل يُنقل.

وإذا نزل بأحدهم الموت قلِق لخراب ذاته وذهاب لذاته، لا لما سبق من جناياته، ولا لسوء منقلبه بعد مماته، فإن خطرت على قلب أحدهم خطرة من ذلك، اعتمد على العفو والرحمة، كأنه يتقين أن ذلك نصيبه ولا بد.

فلو أن العاقل أحضر ذهنه، واستحضر عقله، وسار بفكره، وأنعم النظر وتأمل الآيات - لفهِم المراد من إيجاده، ولنظرت عين الراحل إلى الطريق، ولأخذ المسافر في التزود، والمريض في التداوي.

والحازم يعد لما يجوز أن يأتي، فما الظن بأمر متيقن؟


[الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب]

الناس بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات:

جعل النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات:

الطبقة الأولى: ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, وهم الذين قاموا بالدين علماً وعملاً ودعوةً إلى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.

الطبقة الثانية: حفظت النصوص, وكان همها حفظها وضبطها, فوردها الناس وتلقوها منهم, فاستنبطوا منها, واستخرجوا كنوزها.

فهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم, وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأساً.

الطبقة الثالثة: أشقى الخلق, الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأساً, فلا حِفظَ, ولا فهم, ولا رواية, ولا دراية, ولا رعاية ﴿ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان:44] فهم الذين يضيقون الديار, ويُغلون الأسعار, إن هم أحدهم إلا بطنه وفرجه, فإن ترقت همتهُ فوق ذلك كان همُّه – مع ذلك – لباسه وزينته – فإن ترقَّت همَّته فوق ذلك كان في داره وبستانه ومركوبه, فإن ترقَّت همَّته فوق ذلك, كان همُّه في الرياسة والانتصار للنفس [الكلبية, فإن ارتفعت همَّته عن نصرة النفس الكلبية, كان همُّه في نصرة النفس السبعية] وأما النفس المَلَكِية فلم يُعطها أحد من هؤلاء.

فإن النفوس ثلاثة: كلبية, وسبُعية, ومَلَكية.

فالكلبية: تقنع بالعظم, والكسرة, والجيفة, والعذرة.

والسَّبُعية: لا تقنع بذلك, بل بقهر النفوس, والاستيلاء عليها بالحق والباطل.

وأما المَلَكية: فقد ارتفعت عن ذلك وشمرت إلى الرفيق الأعلى فهمتها العلم والإيمان


كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

1.ما أيسر الدعوة في هذا الزمن! 2. وكتاب الفارس الالكتروني

ما أيسر الدعوة في هذا الزمن!    بسم الله الرحمن الرحيم ● ما أيسر الدعوة في هذا الزمن تفتح حسابا فيكون منارة علم وهدى للعالمين. ● ما أيسر الد...